معوقات البنوك الإسلامية: الحلول و المعالجات

بعد أن تم استعراض جملة من المشكلات والتحديات الأساسية والمهمة عمليا والتي تواجهها هذه المصارف عند أداء عملها نجد لزاما بيان أهم الحلول المناسبة لتلك المعوقات للخلاص منها في سبيل تطوير عمل تلك المصارف ودفعها لعجلة الاقتصاد الإسلامي السليم ومن هذه الحلول:

■ معوقات عمل المصارف الإسلامية.

1- التأكيد على التمسك وبدرجة أكبر بأحكام الشريعة الإسلامية، وذلك بتوسيع العمل بالصيغ التمويلية الإستثمارية التي لا تثار بصددها أي شبهة تتصل بشرعيتها وذلك لغرض التأكيد على شرعية تعاملات المصارف الإسلامية.

2- أن الدولة اذا طبقت الشريعة الإسلامية وخصوصا في المجال التجاري والإقتصادي فان المناخ القانوني الإقتصادي للمصارف الربوية سوف ينتهي، لأن البنك المركزي سوف تتحول قوانينه بحيث تكون متطابقة مع الشريعة الإسلامية، فيخدم ذلك المصارف الإسلامية ويجعل لها دور أكبر في تعبئة الموارد المالية وقد يقول البعض أن هذا كلام مثالي، وصعب التطبيق فنقول أن تجربة المصارف الإسلامية لم تنتشر فقط في العالم العربي والاسلامي, بل بدأت الدول الغير إسلامية في الأصل كما في أوربا والأمريكيتين بفتح مصارف إسلامية أو فروع للمصارف الإسلامية وأقساما خاصة في مصارفها الربوية لأغراض التمويل والإستثمار وفق الشريعة الإسلامية، وعليه فالدول الإسلامية من باب أولى أن تطبق شريعتها في معاملاتها المالية والمصرفية.

3- ذكرنا فيما سبق أن المصارف الإسلامية نشأت تحت مظلة القوانين الخاصة التي وضعت لتمكنها من أداء نشاطها بكل يسر وسهولة الا أنه على الرغم من ذلك ظهرت مشكلة رقابة البنك المركزي عليها حيث أثيرت مسألتان بخصوص ذلك أولها: رقابة البنك المركزي على المصارف الإسلامية وإخضاعها لأنظمة ولوائح البنك المركزي، وثانيها: مساندة البنك المركزي للمصارف الإسلامية خاصة كونها الملجأ الأخير للسيولة في حالة إحتياج هذه المصارف للسيولة.

وعليه ولأن المصرف الإسلامي يدير أموال الناس (مساهمين ومودعين) فالدولة لها أن تراقب سيره حفاظا على أموال الناس ورعاية للمصلحة العامة، ولما كان البنك المركزي هو وكيل الدولة في مراقبة المؤسسات والمصارف المالية فمن الضروري أن تكون له صلة وثيقة مع المصارف الإسلامية، وعليه أن يساعد هذه المصارف كما يلي:

أ- حاجة المصرف الاسلامي للبنك المركزي لإيجاد الثقة, حيث أن ثقة الناس في أي مصرف أو مؤسسة مالية لا تتوفر على الأغلب إلا بعلم الجميع أن البنك المركزي سوف يسانده عند الأزمات.
ب- تقديم السيولة المطلوبة عند حاجة المصرف الإسلامي إليها، لأن من واجبات البنك المركزي كونه المقرض الأخير بالنسبة للمصارف الإسلامية. ولا يكون هذا القرض بفائدة ربوية كتمويل لها فإما يكون قرضا حسنا أو وديعة إستثمار.
ج- تفهم السلطات النقدية لأعمال وخصوصية المصرف الإسلامي عند وضع التعليمات التطبيقية وممارسة أعمال الرقابة عليها، وهذا ضروري لإزالة التحيز للمصارف الربوية ومنحها ميزة على حساب المصارف الإسلامية، وبالتالي من الضروري عدم إخضاع المصارف الإسلامية للضوابط الخاصة بالمصارف التجارية في العراق وإصدار قانون خاص بها.

4- تطبيق أحدث الأساليب التكنولوجية في الإدارة المصرفية وتطوير أنظمة العمل المصرفي، وإنشاء نظام لتبادل المعلومات والخبرات والإستشارات والتنسيق بين بنوك المعلومات وبرامج البحوث والدراسات فيما بين هذه المصارف. وكل هذا سينعكس إيجابا على كل مصرف إسلامي لرفع كفاءة إستخدام موارده والقيام بحملات إعلامية منسقة للتعريف بعمل المصارف الإسلامية ونشرها بكل الوسائل المتاحة.

وتجدر الاشارة هنا الى قيام صندوق النقد الدولي باختيار بيت التمويل العربي (مصرف إسلامي لبناني) لغرض تدريب كوادر وموظفي البنك المركزي العراقي ومدراء من مصارف حكومية على طريقة عمل المصارف الاسلإمية من الناحيتين النظرية والعملية, حيث بحثت هذه الدورة في عدة مسائل منها: أساليب الإستثمار والتدقيق الشرعي وكيفية تعامل المصارف الإسلامية مع الأسواق العالمية والبنوك العالمية وغيرها، وهذا يعد برأيي خطوة مهمة و جدية في سبيل تطوير وانتشار العمل المصرفي الإسلامي في العراق، ونقترح أيضا تضمين طلب تأسيس أي مصرف في العراق والمقدم للبنك المركزي العراقي, قيام المصرف بتقديم خدمات مصرفية الكترونية حديثة لغرض تطوير وسائل الدفع والإئتمان واعتماد التقنيات الحديثة في الإتصال والتعامل المصرفي.

5- التوجه وبدرجة أكبر نحو العمل على ضمان التعاون والتنسيق بين المصارف الإسلامية وبالشكل الذي يؤدي لإعتماد بعض هذه المصارف على بعضها الآخر وبالذات فيما يخص توفير السيولة وبالشكل الذي يحقق تلافي حصول عجز أو فائض لديها وبما يحقق الإستخدام الكامل والكفء للموارد، وندعو بدورنا المتخصصين بشؤون المصارف الإسلامية، دعوة الحكومات بانشاء مصارف مركزية اسلامية لأن الواقع العملي لبيئة مصرفية مختلطة أعاق تطور المصارف الإسلامية.

6- أن المصارف الإسلامية في ظل العولمة المالية والإقتصادية مدعوة للعمل على خلق كيانات مصرفية كبيرة ذات كفاءة عالية قادرة على المنافسة العالية عن طريق الإندماج وإعادة النظر ببعض أعمالها المصرفية التي لا تغطي عائداتها تكلفة رأس المال المستثمر فيه، وأن العولمة المصرفية حسب رأينا هي في صالح المصارف الإسلامية لأنها في مجال الاقتصاد والتجارة تعني الإنفتاح على الأسواق مما يعطي للمصارف دور كبير في المنافسة.

وتجدر الإشارة الى أن المصارف الإسلامية إستفادت من تجربة العولمة من خلال قيام بريطانيا والتي تعد أول بلد أروبي يسن تشريعات قانونية للإشراف والمراقبة على المؤسسات المالية الإسلامية, كما منحت ترخيصا عام 2004 لإنشاء المصرف الإسلامي – البريطاني ومزاولة نشاطه فيها، ولذا فالعولمة ساهمت وبدون قصد بالإرتقاء بالصناعة المصرفية الإسلامية فنيا ومهنيا.

7- ينبغي إستمرار العمل وبدرجة أوسع على تطوير القدرات الإدارية والتنظيمية وتطوير العاملين في المصارف الإسلامية من خلال تطوير قدراتهم وكفاءتهم الفنية والإدارية في أداء أعمالهم وتطوير الجانب الإيماني والقيمي والأخلاق والنزاهة, والحرص والاندفاع لأداء الرسالة الإسلامية التي تؤديها هذه المصارف، وضرورة وجود هيئة الرقابة الشرعية وبيان اختصاصها في الرقابة وتمتعها بالإستقلالية عن باقي أجهزة المصرف الإدارية والإلزام في أي قرار يصدر منها، ولابد من إنشاء المعاهد والمؤسسات التعليمية لتأهيل الكوادر البشرية القادرة على العمل مع المصارف الإسلامية، وانطلاقا من ذلك صدر نظام قبول هيئات الرقابة الشرعية في المصارف الإسلامية العاملة في الجمهورية العربية السورية بقرار رقم 292 /م ن/ب 4 الصادر في 2007/5/30 , حيث وضح هذا النظام مسائل عدة منها: اختيار هيئة الرقابة الشرعية لأي مصرف إسلامي, وشروط قبول العضوية لهذه الهيئة, وحالات سحب القبول من أي عضو في الهيئة.

8- اعتماد أسلوب المشاركة في تجارة السلع كبديل عن أسلوب المرابحة للآمر بالشراء, حيث أن الأخيرة لم تحظ بإجماع المختصين في الفقه الإسلامي.

المشاركة في البنوك الإسلامية.
المرابحة في البنوك الإسلامية.

9- ضرورة انشاء سوق مالية إسلامية متخصصة تربط كل المصارف الإسلامية فيما بينها وتربط اقتصاديات الدول الإسلامية بها، حيث أن المصارف الإسلامية أسهمت ولا تزال تساهم في تعزيز الأنشطة ذات العلاقة المباشرة بالأسواق المالية, كتسريع عمليات التخصيص في عدد من الدول الإسلامية وتمويل شراء أسهم الشركات والقيام بتداولها في البورصة.

10 – لابد من الإستفادة من اتفاقية تحرير تجارة الخدمات المصرفية من خلال التواجد التجاري المصرفي وتوسيع دائرة نشاط المصارف الإسلامية عالميا من خلال فتح الفروع ومكاتب التمثيل الإستشاري، وضرورة دمج المصارف الإسلامية ذات الإمكانيات الضعيفة مع بعضها البعض لإيجاد وحدات مصرفية إسلامية متكاملة، وتفعيل دور القطاع الخاص بدرجة أكبر في عملية تطوير المؤسسات المالية الإسلامية.

11 – ومن أهم المعالجات للوصول بالمصارف الإسلامية الى أهدافها المنشودة هو وجود التنظيم القانوني الضروري الذي يدعم ويساند عمل هذه المصارف ويعطي لها مزايا فريدة من نوعها عن باقي المصارف التقليدية، وضرورة إضفاء الحماية للمودعين وهم أصحاب الحسابات الإستثمارية في هذه المصارف, حيث أن المودعين ليسوا دائنين كي يبقوا بعيدين عن إدارة المصرف وليسوا مساهمين لكي يتمتعوا بحقوق المساهمين ويمارسوا سلطاتهم، إلا أنهم يتأثرون بنتائج أعمال المصرف ربحا أو خسارة، وكل هذا موجود حاليا في العديد من دول العالم الا أنه في العراق يحتاج القطاع المصرفي الإسلامي بالذات لدفعات قوية نحو التطور وهذا لا يحصل إلا بتدخل المشرع العراقي لوضع تشريعات مستقلة وخاصة لهذه المصارف وبما يضمن عملها بشكل قانوني سليم وصحيح وايجاد الحلول اللازمة من الناحيتين الشرعية والقانونية للكثير من مشكلاتها النظرية والعملية.

12 – فيما يخص دور الحاكمية في المصارف والمؤسسات المالية الإسلامية، نجد بأن هذه المبادئ والمعايير باتت لازمة في التطبيق، وأن هذه المصارف هي في أمس الحاجة اليها أكثر من غيرها فلا بد لها من أن تتقيد بالمعايير والضوابط الشرعية وأن يتطابق عملها مع مبادىء الشريعة الاسلامية وأن توضحها للجمهور، وتلزم نفسها بها ولا يمكن بأي حال من الأحوال الابتعاد عن الحاكمية الرشيدة بسبب وجود-كما قد يدعي البعض- الواعز الديني والأخلاقي لدى أعضاء مجلس إدارتها والمديرين فهذا لايكفي، بل لابد من ضبط قواعد تعاملاتها المالية وفق معايير موضوعية تدخل ضمن قواعد الرقابة على أعمالها وعدم الاضرار بمصالح المساهمين والمستثمرين لديها.

ويذهب البعض لأكثر مما سبق الى تطبيق الحاكمية حتى على هيئة الرقابة الشرعية من خلال الزامها باصدار الفتاوى المتوافقة مع الأدلة الشرعية وضرورة التدقيق الشرعي للفتوى، واضافة لذلك –وهو الأهم- ضرورة ايجاد صيغة معينة لوضع آليات هيئة عليا موحدة للرقابة الشرعية على مستوى الدولة الواحدة.

و وفقا لمقررات لجنة بازل عموما فانها ترى أن الحاكمية من المنظور المصرفي تتضمن الطريقة التي تدار بها المؤسسات المصرفية بواسطة مجالس ادارتها والادارة العليا والتي تؤثر على قيام المصرف بما يلي: وضع أهداف المصرف وادارة العمليات اليومية والأنشطة والتعاملات بطريقة آمنة وسليمة ووفقا للقوانين السارية بما يحمي مصالح المودعين ومراعاة أصحاب الحقوق المتعاملين مع المصرف بما فيهم الموظفين والعملاء. وأكدت لجنة بازل على أن تحقيق الرقابة المصرفية بشكل فعال لا يتم الا بالتطبيق السليم للحاكمية داخل الجهاز المصرفي، وعليه فان التزام المصارف والمؤسسات المالية الإسلامية بمعايير وقواعد الحاكمية سيؤدي الى جذب الاستثمارات المهمة للمصرف بسبب وجود الثقة لدى المصرف وعملائه الذين سيتعاملون معه.

وتبنت العديد من المصارف الحكومية والخاصة في العراق قواعد الحاكمية وعلى الأخص المصارف الإسلامية الموجودة في العراق ومنها على سبيل المثال مصرف دجلة والفرات للتنمية والاستثمار الإسلامي حيث وضع قواعد خاصة لذلك في ايار 2010 ركزت على الشفافية والإفصاح عن المعلومات والعدالة المتساوية في معاملة كل الأشخاص والادارات داخل المصرف والمسؤولية الملقاة على مجلس الادارة والمديرين والمساهمين. وأيضا ما يتعلق بتفويض الصلاحيات وغيرها الكثير.

13 – إن من أهم اهداف مقررات بازل هو تخفيض المخاطر الى حدها الأدنى في مجمل أعمال المصارف (التقليدية والإسلامية)، وخصوصا أن الموضوع يتعلق بايداعات ومدخرات المواطنين، وأن مقررات بازل II تركز على معيار كفاية رأس المال حيث أن المصارف لابد أن ترفع أموالها الخاصة لنسبة ملاءة تعادل في حدها الأدنى 8% من نسبة المخاطر الإستثمارية المتقلبة, لاعطاء ثقة للمودعين وبالتالي يصبح على المصارف الإسلامية وضع خطط لكيفية مواجهة المخاطر التي يمكن أن تترتب على اتساع الأعمال المصرفية وخصوصا باتجاهها نحو الأسواق الدولية ويضاف لذلك أن معايير بازل تسمح لأي مصرف تقليدي في حال مواجهة أية ائتمانات متعثرة بالاقتراض من مؤسسات التمويل الدولية كصندوق النقد الدولي وغيرها، في حين أن المصارف الإسلامية اذا لم تلتزم بهذه المقررات والمعايير فلن تستطيع الاقتراض من هذه المؤسسات, وعليه فقد أصدرت لجنة بازل II عدة مقررات تنفيذية لها صفة الشمول لغرض الالتزام بها وهي:

  • تقوية الشفافية المصرفية وتكييف المعلومات التي لابد من نشرها للجمهور.
  • ايجاد طرق بديلة لادارة المخاطر في المصارف.
  • تعزيز ادارة الحوكمة المصرفية.

ولابد من أن تقوم ادارة المصرف الإسلامي بوضع سياسات خاصة استراتيجية لإدارة المخاطر يتم وضعها من مجلس الإدارة وحسب توجهات وسياسات المصرف الإستثمارية والتمويلية ويدعمها وسائل الضبط والرقابة الداخلية بحيث يتم ضمان الإلتزام بالسياسات والإجراءات المقررة.

وتجدر الإشارة هنا الى أن البنك المركزي الكويتي على سبيل المثال هو أول من قام بتطبيق معايير بازل II, وذلك لأهمية هذه المعايير وأثرها في المحافظة على استقرار  القطاع المصرفي من خلال تحسين أداءه وإدارة الأزمات ومكافحة المخاطر المصرفية الإئتمانية والسوقية والتشغيلية، وكذلك فان مصارف السودان تبنت معايير بازل من خلال مراحل تمهيدية تسبق التطبيق الكامل لها ابتداءا من عام 1994 وكذا الحال مع الجزائر.

ونشير هنا أيضا الى الجهود الكبيرة التي قام بها مجلس الخدمات المالية الإسلإمية الذي تأسس عام 2002 بماليزيا وبجهود مجموعة من محافظي البنوك المركزية (IFSB) وموظفي السلطات النقدية ودعم بنك التنمية الاسلإمي وصندوق النقد الدولي وهيئة المحاسبة والتدقيق للمؤسسات المالية والإسلامية بوضع معايير محاسبية دولية تتفق مع أحكام الشريعة الإسلامية والتوصية باعتمادها، وجعل مقررات بازل ومبادىء الحوكمة الرشيدة أكثر ملائمة لطبيعة العمل المصرفي الإسلامي.

من بحث: “معوقات عمل المصارف الإسلامية و سبل المعالجة لتطويرها “.

أ. مصطفى ناطق صالح مطلوب

إقرأ أيضا…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *