الرئيسية / مقالات و أراء / الصناعة المصرفية الإسلامية والوساطة المالية

الصناعة المصرفية الإسلامية والوساطة المالية

د غسان الطالب
                  د غسان الطالب

تواجه الصناعة المصرفية الإسلامية العديد من التحديات سواء الفنية وكل ما له علاقة بأدائها المصرفي أو مصرفية تلك المتعلقة بتوسعها وانتشارها وسعيها لتحقيق المزيد من المكاسب في السوق المصرفي العالمي، وهذا ما نعتقد بان مصارفنا الإسلامية أصبحت على قدر من امتلاك الجانب الفني والمعرفي لمواجهة هذه الأنواع من التحديات، ولكن التحديات التي نعتقد بأنها هي الأهم في وقتنا الحالي هي تلك التحديات الفكرية المرتبطة بطبيعة فلسفة هذه الصناعة ودورها التمويلي النابع من أحكام الشريعة الإسلامية، وما يختلف فيه الباحثون أحيانا عند تفسيرهم لطبيعة الدور التمويلي لهذه الصناعة متناسين أن الفيصل في ذلك هو الشريعة الإسلامية، لهذا تكثر الأسئلة والاجتهادات أحيانا، فهل المصارف الإسلامية تقوم بوظيفة الوساطة المالية أم هي مجرد مؤسسات مالية استثمارية تجارية؟ هذا هو السؤال الذي يتردد كثيرا وأحيانا يمثل نقطة الخلاف بين الباحثين والمنظرين لهذه الصناعة.

بداية لا بد من القول بأن الوساطة المالية التي تؤديها المؤسسات المصرفية ذات أهمية كبيرة لما تقوم به من دور بين وحدات الاقتصاد الوطني وتوفير التمويل اللازم لها من خلال التوسط بين المدخرين؛ أي من يمتلكون رأس المال؛ والمستثمرين الباحثين عن رأس المال وتوفير رؤوس الأموال المطلوبة لهم، مما يرفع من أداء وكفاءة الاقتصاد الوطني.

وبالعودة إلى السؤال السابق فإن الحديث عن دور المصارف الإسلامية وتجربتها يؤكد لنا الحاجة الملحة إلى تحديد هذه الوظيفة وإبرازها في محاولة فهم الدور الذي تقوم به المصارف الإسلامية في تنظيم العلاقة السابقة بين من يمتلك رأس المال ومن يبحث عنه؛ ففي الفقه الإسلامي تصنف العقود المالية إلى قسمين؛ الأول: عقود أمانة، والتي تتحدد فيها مسؤولية الوسيط عن المخاطر التي يتسبب فيها سواء كان مصدرها الإهمال أو سوء الإدارة. والثاني: عقود الضمان، والتي تكون فيها مسؤولية الوسيط كاملة ويتحمل كافة المخاطر مهما كان السبب أو مصدر هذه المخاطر.

فحسب هذا التصنيف يتضح لنا المبدأ الجوهري في عمل المصارف الإسلامية، وهو المشاركة في الربح والخسارة أي المشاركة في مبدأ المخاطرة حسب طبيعة العقد أو الصيغة التي تربط العميل صاحب رأس المال والمصرف والمستثمر؛ فعندما يقوم المصرف الإسلامي بجمع مدخرات الأفراد على أساس عقد الضمان في الحسابات الجارية أو تحت الطلب فإنها بالنتيجة تشكل تراكما رأسماليا لدى المصرف يمكنه من القيام بتمويل الاستثمارات التي تبحث عن رأس المال على أساس المشاركة في الربح والخسارة، وهنا يتضح لنا دور المصرف كوسيط مالي يتحمل كامل المسؤولية عن ضمان الوديعة وسلامتها، أما في الحالة الثانية وهي الحسابات المتعلقة في الاستثمار والتي يشارك أصحابها المصرف في النتائج، أي الربح والخسارة، فهي كذلك تعمل على جمع رؤوس الأموال وإعادة استثمارها لكن على مبدأ عقود الأمانة.

وكما هو كذلك في عقد المضاربة الذي اعتمدت عليها عمليات الوساطة كأداة لتنظيم العلاقة بين من يمتلك رأس المال وليس لدية القدرة على العمل أو إدارة استثمار أمواله، وبين من يمتلك عنصر العمل وغير قادر على تأمين الأموال التي تتيح له الاستثمار ، يتقاسم فيها الطرفان الربح والخسارة بنسب يتفق عليها في العقد الموقع بينهما.

أما القول بأن المصرف الإسلامي هو تاجر وليس وسيطا ماليا، فالتاجر موضوع عمله هو البيع والشراء ووجود السلعة لديه، وأن الربح هو الفرق بين سعر البيع وسعر الشراء أو سعر التكلفة وسعر البيع في حالة الإنتاج، أما الوسيط المالي فدوره يختلف طالما أنه يلعب دور المنظم بين صاحب رأس المال ومن يبحث عن رأس المال، وأن هذا الدور لا يعني تملك المصرف لرأس المال موضوع الوساطة والمؤتمن على جمعه، بل يقتصر على إدارته ضمن الشروط التي أجازها الإسلام والمتفقة مع أنواع العقود السابقة، وهذا يمثل نموذجا إسلاميا مبنيا على أساس عقود النيابة بأدواته المختلفة مثل المشاركة والمضاربة والوكالة، وليس بمفهوم الوساطة القائمة على الإقراض والاقتراض والمعتمد على سعر الفائدة كما هو في المصارف التقليدية، وأن العلاقة بين المصرف الإسلامي وأصحاب الاستثمارات هي علاقة تكاملية وليست علاقة تنافسية.

الغد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إشترك في قائمتنا البريدية

إشترك في قائمتنا البريدية

إنضم الى قائمتنا البريدية ليصلك أسبوعيا آخر أخبارالبنوك الإسلامية و اللإقتصاد الإسلامي

شكرا, لقد تمت عملية الاشتراك بنجاح,