الرئيسية / المضاربة

المضاربة

المضاربة أداة استثمارية طويلة الأجل تقوم في جوهرها على تلاقي أصحاب المال و أصحاب الخبرات, بحيث يقدم الطرف الأول ماله بينما الطرف الثاني يقدم خبرته بغرض تحقيق الربح الحلال الذي يقسم عليهما بنسب متفق عليها. و تتم المضاربة في البنوك الإسلامية بصفة أساسية من خلال تقديم المودعين أموالهم بصفتهم أرباب المال, ليعمل فيها البنك الاسلامي مستفيدا من خبراته و موارده.

تعريف المضاربة

و المضاربة اسم مشتق من الضرب في الأرض، بمعنى السفر و هو من مستلزمات التجارة، قال تعالى: «وَ آخَرُونَ يضَرِبُونَ فِي الْأرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ».

و قد عرفها الحنفية بأنها: ” عقد شركة في الربح بمال من جانب وعمل من جانب”, و عرفها الحنابلة بأنها: ” دفع مال إلى آخر يتجر به والربح بينهما”، أما المالكية فقالوا بأنها: ” أن يعطي الرجل المال على جزء معلوم يأخذه العامل من ربح المال”.

المضاربة إذن شركة في الربح بمال من جانب يسمى (رب المال), و عمل من جانب آخر يسمى (المضارب). و تسمى المضاربة أيضا ” قراضا “.

أركان المضاربة

أركان المضاربة هي:

1- الإيجاب والقبول أي (الصيغة).
2- رب المال
3- العامل (المضارب).
4- رأس المال
5- الربح، و بعضهم لا يعتبره من أركان المضاربة لأنه من النتائج المحتملة.

مشروعية المضاربة

و فيما يخص مشروعية المضاربة, فقد جاء في السنة أن الرسول عليه الصلاة و السلام قد خرج قبل بعثته مضاربا في مال أمنا خديجة رضي الله عنها. كما أن العمل استمر بهذا العقد بعد بعثة النبي صلى الله عليه و سلم, و كذلك في عهد الصحابة رضوان الله عليهم.

فلا خلاف بين الفقهاء على مشروعية المضاربة و جوازها و أنها كانت في الجاهلية فأقرها الإسلام, فقد قال إبن عبد البر رحمه الله:” و القراض مأخوذ من الإجماع الذي لا خلاف فيه عند أحد من أهل العلم, و كان في الجاهلية فأقره الرسول صلى الله عليه و سلم في الإسلام”.

شروط المضاربة

إضافة إلى الشروط العامة المطلوبة في أي عقد مثل الإيجاب والقبول و العاقدان و الصيغة…هناك مجموعة من الشروط لا بد أن تتوفر حتى يكون عقد المضاربة ناجحا من ناحية استثمارية و مقبولا كذلك  من ناحية شرعية. و يمكن تقسيم هذه الشروط الى ثلاثة أقسام, فهناك الشروط المتعلقة برأس المال وتلك المتعلقة بالربح وأخيرا الشروط المتعلقة بالعمل.

أولا: شروط رأس المال

1- أن يكون رأس المال نقودا. و قد أجاز بعض الفقهاء أن يكون سلعا أو عقارا, أو كالطائرة تقدم لشركة طيران تستغلها و يتم قسمة العائد, أو أن يقول مالك السلعة أو العقار للمضارب بعها وضارب في الثمن، و بالتالي يكون وكيلا في بيعها ثم مضاربا في ثمنها بعد قبض مبلغ البيع.
2- أن يكون رأس المال معلوم القدر و الجنس و الصفة عند التعاقد.
3- أن لا يكون دينا في ذمة المضارب.
4- تسليم رأس المال الى المضارب و تمكينه ماديا و قانونيا من التصرف فيه حتى يتمكن من إستثماره و توضيفه وفقا للعقد.

ثانيا: شروط الربح

1- أن تكون نسبة كل من المضارب و رب المال في الربح معلومة عند التعاقد.
2- أن يكون نصيب كل منهما جزءا شائعا من الربح, و ليس من رأس المال.
3- أن يكون نصيب كل منهما حصة في الربح, لا حصة في رأس المال.
4- أن لا يزاد على حصة أي من الطرفين في الربح منفعة اضافية, كأن يشترط المستثمر الذي يحصل على تمويل من البنك الاسلامي الحصول على خدمات مصرفية مدفوعة بالمجان.
5- الخسارة يتحملها رب المال إذا لم تكن بسبب تقصير المضارب أو مخالفته لشروط العقد، وأما في حالة العكس فإنه يشترك في هذه الخسارة. فإذا كان البنك الاسلامي هو المضارب فمن الواجب عليه المحافظة على أموال المودعين.

ثالثا: شروط العمل

1– العمل من اختصاص المضارب وحده, فصاحب المال مهمته هي تقديم المال و ليس العمل.
2- يجوز لصاحب المال أن يشترط على المضارب بأن يمارس عمله في بلد معين ، أو نوع معين من السلع  أو في العمل الذي يكون فيه مصلحة الطرفين دونما تضييق على المضارب، وهذا ما يعرف بالمضاربة المقيدة.
3- أن يكون العمل مشروعا مما تجوز فيه المضاربة و حسب شروط عقد المضاربة, فيجوز مثلا للمضارب العمل في التجارة و ما ينتج عنها كالرهن و الإيجار و تأخير الثمن إلى أجل متعارف عليه، إلا إذا نص العقد على عدم القيام باحد الأعمال السابقة. كما لا يجوز للمضارب أن يقرض مال المضاربة أو الهبة والصدقة من مال الضريبة.
4- للمضارب أن يدفع المال مضاربة الى غيره, و ان يخلط مال المضاربة بمال غيره إذا أطلق صاحب المال يده في التصرف.
5- يجوز للمسلم أن يأخذ المال مضاربة من غير المسلم، فلا يشترط في رب المال أن يكون مسلما. و في حالة المضارب غير المسلم اشترط الفقهاء أن لا ينفرد وحده بالتصرف، أي تكون المضاربة مقيدة، لأن انفراد المضارب غير المسلم بالتصرف قد يؤدي إلى القيام بأعمال لا تتفق مع قواعد الشرع، ومن ثم تكون المضاربة المقيدة هي الخيار الأمثل.
6- لصاحب المال الحق في فسخ عقد المضاربة متى شاء مالم يبدأ المضارب في العمل. أما إذا بدأ العمل فاختلف الفقهاء في حكم ذلك, فالمالكية يرون أنه ليس لصاحب المال الحق في فسخ العقد بعد شروع المضارب في العمل, في حين أن الشافعية و الحنفية و الحنابلة يرون جواز فسخ العقد لصاحب المال. و أما بالنسبة للبنك الإسلامي فإنه ليس له الحق في فسخ العقد لأنه قبل الموافقة يكون قد درس المشروع، إلا في حالة ما إذا كان هناك مشروع أولى منه وهذا إذا لم يكن المضارب قد شرع في العمل.

أنواع المضاربة

يمكن تقسيم المضاربة في البنوك الإسلامية إلى ثلاثة أقسام رئيسية :

أولا: حسب حرية المضارب في التصرف

1المضاربة المطلقة: للمضارب في هذا النوع الحرية المطلقة في استثمار المال كيفما يشاء دون قيد على قراراته أو تدخل من جانب رب المال. ويعتبر هذا النوع من المضاربة الشكل الغالب على عمل البنوك الإسلامية في مجال المضاربة، حيث يُترك للبنك الحرية الكاملة في توظيف أموال مودعيه في المجالات المناسبة.

2المضاربة المقيدة: يضع رب المال في هذا النوع من المضاربة قيودا وشروطا معينة، سواء فيما يخص مجالات الاستثمار أو طريقة إدارة المال ومدة الاستثمار، و مكان الاستثمار أو الأشخاص الذين سيتعامل معهم .كما أنه لابد وأن يتم الاتفاق على هذه الشروط قبل إبرام عقد المضاربة أو على الأقل قبل صرف مال المضاربة في المشروع، و هذا مايسمى في البنوك الإسلامية بالاستثمار المخصص.

تجدر الإشارة هنا إلى أن تقييد المضاربة أو إطلاقها يعتبر أمرا نسبيا, حيث لايمكن إطلاق يد العامل بشكل كامل أو تقييد تصرفاته بالمال بشكل كامل, فكلما كانت الشروط أقرب للتقييد سميت المضاربة بالمقيدة واذا كان العكس سميت بالمطلقة.

ثانيا: حسب كيفية انتهاء عقد المضاربة

1المضاربة المنتهية بالتمليك: نوع من المضاربة يعطي فيها رب المال الحق للمستثمر المضارب بالحلول مكانه في ملكية المشروع مرة واحدة أوعلى دفعات، وهي تشبه في خطواتها المشاركة المنتهية بالتمليك.

2المضاربة غير المنتهية بالتمليك: وهو الوضع العادي حيث يعود رأس المال إلى المالك بعد انتهاء فترة الاستثمار وتوزيع الأرباح بين الأطراف المشاركة في المضاربة.

ثالثا: حسب عدد المشاركين

1المضاربة الثنائية أو المفردة: وتعني وجود شخص واحد يقدم المال وشخص واحد يقوم بالعمل، أي أن العقد يكون بين طرفين سواء كانا طبيعيين أو اعتباريين. ويصعب استخدام هذا النوع من المضاربة في البنوك الإسلامية, كون طبيعة عمل هذه الأخيرة تستلزم خلط ومزج أموال المضاربة, أي خلط أموال البنك مع أموال المودعين.

2المضاربة الجماعية أو المشتركة: هي الصيغة التعاقدية السائدة في البنوك الإسلامية, حيث تعرض هذه الأخيرة ( باعتبارها مضاربا) على أصحاب الأموال إستثمار مدخراتهم, كما تعرض هذه البنوك (باعتبارها صاحب مال أو وكيلا عن أصحاب الأموال) على رجال الأعمال أو أرباب التجارة استثمار أو تشغيل تلك الأموال، على أن توزع الأرباح حسب الاتفاق بين الأطراف الثلاثة، وتقع الخسارة على صاحب المال. و معظم الأموال التي تسثمر بهذه الطريقة في البنوك الاسلإمية هي من الودائع الاستثمارية الثابتة و الودائع الإدخارية.

فالمضاربة المشتركة لها ثلاثة أطراف: صاحب رأس المال, و البنك الاسلامي و المضارب, في حين أن المضاربة الفردية لها طرفان: صاحب المال و المضارب المستثمر.

و يتم تنفيذ المضاربة المشتركة في البنوك الإسلامية عبر المراحل التالية:

يتقدم أصحاب رؤوس الأموال بمدخراتهم بصورة فردية الى البنك الاسلامي,و ذلك لإستثمارها لهم في المجالات المناسبة.
يقوم البنك الاسلامي بدراسة فرص الإستثمار المتاحة و المرشحة للتمويل.
يخلط البنك الاسلامي أموال أصحاب رؤوس الأموال و يدفع بها الى المستثمرين كل على حدة. و بالتالي تنعقد مجموعة شركات المضاربة الثنائية بين البنك الاسلامي و المستثمر.
تحسب الأرباح كل سنة بناءا على ما يسمى بالتنضيض التقديري-تسييل- أو التقويم لموجودات الشركة بعد حسم النفقات.
توزع الأرباح بين الاطراف الثلاثة, صاحب المال و البنك الاسلامي و المضارب.

و نظرا لكون المضاربة المشتركة تقوم على أساس الخلط المتلاحق لأموال المودعين مع بقاء الامور على حالها دون تنضيض أو تصفية للحساب, فينتج عن ذلك مشاركة المال اللاحق للمال السابق في الربح و الخسارة.

و التنضيض لفظ اصطلاحي للفقهاء يعني تحول جميع الأصول إلى نقود كما بدأت المضاربة. ويترتب على ذلك قبض رب المال (المالك) رأس المال كاملا, و لا يعتبر مقبوضا إلا إذا عاد إلى حالته الأولى التي اشترط توافرها ليصح جعله رأس مال للمضاربة, فيعود أثمانا دون بقاء أي شيء منه عروضا أو ديونا في الذمة.

إن التنضيض سواء كان لرأس المال كله أو لجزء منه ليس إجراء للتوصل للحساب، بل هو أمر ضروري لإعطاء كل ذي حق حقه بالعدل و القسطاس لا بالجزاف و التخمين، ولا سبيل إلى ذلك إلا بالتنضيض الذي تتحول به السلع و عروض التجارة إلى مال ناض، أي أثمان لا تحتمل بعدئذ زيادة ولا نقصا.

و في هذا الصدد يقول الدكتور شبير:” يمكن القول بجواز خلط أموال المضاربة بشرط الإذن الصريح أو التفويض العام, لأن الإنسان يملك التصرف في ماله بجبر خسارة شريكه. فلا إشكال في ذلك و ينبغي أن يراعى في توزيع الأرباح المدة الزمنية للوديعة”.

و يصار الى التنضيض التقديري في نهاية كل مدة مع الإستمرار في المضاربة المشتركة دون فسخ لها, فتوزع الأرباح في نهاية كل سنة و لو لم تنته المشاريع التي أسهم فيها البنك الإسلامي.

و التنضيض التقديري أمر جائز, حيث تقدر نسبة الأرباح في كل سنة بالنسبة الى رأس المال, و توزع على أصحاب الأموال بحسب مقدار كل مال و فترة إستثماره.

توقيت المضاربة

و بخصوص توقيت المضاربة, فهناك من أجاز توقيت عقد المضاربة بمعنى تحديد وقت لإنتهائها مثل الحنفية, و منهم من يرى عدم جواز ذلك مثل الشافعية و المالكية.

و الحنفية يجيزون توقيت المضاربة لأن عقد المضاربة عقد توكيل, و التوكيل يحتم التخصيص بوقت دون الأخر. و الملاحظ أن معظم البنوك الإسلامية قد أخدت برأي الأحناف في هذا المجال, لكن الاخذ بهذا الرأي يجب ان يتم في ضوء ضوابط نذكر منها:

  • أن يكون الوقت كافيا ليتمكن المضارب من العمل في المال ضمن الأصول و القواعد المعمول بها.
  • تحقيق مصلحة البنك الاسلامي و المودعين و المضاربين.
  • يفضل ان يكون التوقيت مع المضاربين التجار الذين يعملون في نفس مجال المضاربة, بحيث يستطيع هؤلاء تصفية المضاربة عند إنتهاء الوقت دون أن يتأثروا سلبا بذلك.

أما بخصوص حالة خروج أحد طرفي المضاربة, أي الانسحاب من هذه المضاربة القائمة على رأس مال مشترك، فإن هذا الخروج مأذون به بحسب أنظمة البنك الإسلامي، فيكون المنسحب قد باع إلى شريكه أو شركائه الباقين ما يخصه من المشتريات التي لم تنض، و ذلك بنفس المبلغ الذي دخل به، و لا شيء يؤخذ على هذا التصرف فهو من بيوع الأمانة على سبيل التولية غالبا.

إنتهاء المضاربة

تنتهي المضاربة في الحالات الآتية:

• فسخ الشركة بإرادة أحد الطرفين أو كليهما.
• انتهاء أجلها.
• هلاك مال المضاربة.
• موت أحد الشريكين أو فقدانه أهليته،أو تصفية المؤسسة المضاربة
• عزل رب المال المضارب وكان المال ناضاً أي نقدا.

و في حال انتهاء المضاربة ومازالت ديونها قائمة فإن كان للمضارب ربح فإنه مجبر على تحصيله لأن هذا من عمله, و لا يأخذ الربح ما لم يقم بتصفية ديون المضاربة. أما إذا خسرت المضاربة فعلى المضارب أن يوكل صاحب رأس المال تحصيلها و لا يُجبر المضارب على تحصيلها.

و في ما يخص تكييف العلاقة مع البنك الاسلامي, فهناك رأيان:

  1. اعتبار البنك (مضاربا) ثم (رب المال): أصحاب الودائع الاستثمارية بمجموعهم هم (رب المال) و البنك هو (المضارب) بطريق المضاربة المطلقة التي تتيح له أن يدفع المال بدوره إلى شخص آخر على سبيل المضاربة. وبما أن البنك الإسلامي يستعين لتنمية الأموال بأصحاب المشروعات الاستثمارية فيقدم إليهم الأموال فهو حينئذ (رب المال) و لهؤلاء صفة (المضارب الثاني). و قد انتقد البعض هذه الصورة لوقوع محاذير فقهية، كخلط الأموال المقدمة للمضاربة، و حساب الأرباح قبل تحقق التنضيض.
  2. اعتبار البنك الإسلامي شريكا (رب المال): و إيضاحه أن البنك من خلال مساهميه يعتبر شريكا للمودعين في موضوع المشاركة، و هي شركة عقد، ثم بعدئذ يصبح هذا المجموع (رب المال وهم المساهمون و المودعون) حين التعامل مع أصحاب المشاريع الاستثمارية هو (المضارب).يو يقوم البنك بأعمال الإدارة في هذه الشركات مفوضا عن الجميع من مساهمين أو مودعين، و هذا الرأي يستتبع جواز الخلط و صحة المحاسبة قبل التنضيض, على أنه لا مانع من بقاء هذين القيدين في معاملات بين البنك وبين أصحاب المشاريع الاستثمارية الذين يعملون بمال الشركة مضاربة.

يمكن كذلك أن تتم المضاربة عن طريق إصدار سندات أو صكوك المضاربة لإنشاء مشاريع إستثمارية بين الممولين الذين يسهمون بحصص ممثلة في صكوك المضاربة و الصناديق الإستثمارية, و بين إدارة تلك تلك المشاريع, حيث تعتبر المضاربة البديل الشرعي لسندات القرض القائمة على الفائدة.

و قد أصدر مجمع الفقه الإسلامي الدولي قرارا مفصلا بشأن سندات المقارضة (المضاربة) جاء فيه:

” سندات المقارضة هي أداة إستثمارية تقوم على تجزئة رأس مال القراض المضاربة بإصدار صكوك ملكية برأس مال المضاربة, على أساس وحدات متساوية القيمة و مسجلة بأسماء أصحابها باعتبارهم يملكون حصصا في رأس مال المضاربة و ما يتحول إليه, بنسبة ملكية كل منهم فيه”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*

إشترك في قائمتنا البريدية

إشترك في قائمتنا البريدية

إنضم الى قائمتنا البريدية ليصلك أسبوعيا آخر أخبار التمويل الخاصة بدولتك

شكرا, لقد تمت عملية الاشتراك بنجاح,