تجربة البنوك الإسلامية: في مرحلة الثبات

بدأت تجربة البنوك الإسلامية في غرس جذور قوية في البلاد التي قامت فيها, تمثل في توسعها الجغرافي وانتشارها النوعي والعالمي، وأخذت تجتذب اهتمام البنوك المنافسة والمؤسسات العالمية الأكاديمية.

التوسع الجغرافي:

من مظاهر ثبات تجربة البنوك والشركات الإسلامية دخولها مرحلة التوسع الجغرافي في البلد الواحد مما يوحي بتعديها لمرحلة الطفولة إلى مرحلةٍ أكثر نضجا. وقد صار لبنك فيصل الإسلامي السوداني (8) فروع، ولبنك فيصل الإسلامي المصري (4) فروع، وبيت التمويل الكويتي (5) فروع، وللشركة الإسلامية للاستثمار أعضاء مشتركون منتشرون في حوالي (12) قطرا (وكان ممكنا أن يكون انتشار الاكتتاب في الشركة الإسلامية أكثر من هذا بكثير لولا قوانين النقد الأجنبي التي تحرم عددا كبيرا من البلدان الأخرى من الاشتراك والمساهمة).

هذا الإقبال له دلالة كبيرة جدا هي أن الشعوب الإسلامية في الواقع يمكن استنهاضها واستنفارها إسلاميا. وقد تبدو هذه العبارة غريبة ولكن ما سقناه عاليه من أدلة مادية يثبت ذلك. وفي هذا رد كاف على النظريين غير الإسلاميين الذين يظنون أن الاستنهاض والاستنفار قد لا يتم إلا عن طريق مادي.

الانتشار النوعي:

ومن مظاهر تجربة البنوك والشركات الإسلامية الدالة على نموها واستمرارها، الانتشار النوعي لهذه المؤسسات: فقد بدأت تنشأ بنوك إسلامية أخرى في البلد الواحد. وقد تم التصديق بقيام أربعة بنوك إسلامية في السودان، سيبدأ اثنان منها للعمل قريبا، ونشأ بنك إسلامي آخر في مصر بجانب بنكي فيصل وناصر الاجتماعي وهو بنك مصر الدولي للاستثمار والتنمية، وقد بدأ عمله فعلا وأسس عدة شركات. وبدأت باكستان برنامجًا شاملاً لتحويل الاقتصاد إلى اقتصاد إسلامي. كما التزمت حكومة ماليزيا بإنشاء بنك إسلامي، وبدأت الخطوات التمهيدية لإنشاء هذا البنك. وقررت حكومة السودان رسميًّا تحويل بنوكها المتخصصة الثلاث الزراعي والصناعي والعقاري إلى التعامل غير الربوي، وقررت مؤخرًا إنشاء بنك إسلامي مملوك لبنوك الدولة التجارية، وقيام بنك تعاوني على النمط الإسلامي. وقررت منظمة المؤتمر الإسلامي العالمي – وهي منظمة إسلامية تضم كل الدول الإسلامية – تبني فكرة إنشاء البنوك الإسلامية. هذا وقد اتخذت هذه المنظمة – في مؤتمر وزراء المالية الذي عقد بالخرطوم في مارس 1981 – قرارات لتشجيع وتنظيم البنوك الإسلامية.

انتشار على المستوى العالمي:

ولعل أهم مؤشرات ثبات التجربة هو النقلة الكمية الكبيرة التي اكتسبتها بقيام مؤسسة ضخمة ذات اتجاه عالمي هي: “دار المال الإسلامي” في نهاية عام 1981 برأسمال أسمى قدره بليون دولار دفع منه 310 مليون دولار وقد قامت هذه المؤسسة كشركة قابضة يملك أسهمها عدة ألوف من الأفراد في عدد كبير من دول العالم الإسلامي وبدعم أدبي من كبار الشخصيات بينهم عدد من رؤساء الدول الإسلامية. وقد شرعت فورًا وفي وقت واحد في العمل في 18 بلدا. وسوف تنشئ وتؤسس بنوكا إسلامية وشركات تكافل (تأمين) وشركات استثمار إسلامي ومشاريع استثمار على الطريقة الإسلامية. ويتوقع أن يشهد عام 1983 بداية عمل بعض تلك البنوك في غرب إفريقيا والشرق الأوسط.

اهتمام البنوك المنافسة بالفكرة:

أثارت تجربة البنوك الإسلامية اهتمام المؤسسات المنافسة لها. وقد بدأ بنك مصر – وهو أكبر بنك في الشرق الأوسط – بفتح فروع إسلامية وحاكته في ذلك بعض البنوك المصرية الأخرى.

وقد تعدو لهذا الاهتمام البنوك العربية إلى البنوك الأجنبية المنافسة. وقد قام بنك سيتي بانك – وهو من أكبر البنوك العالمية – وتبلغ موجوداته 116 بليون دولار بعقد مؤتمر حضره مديرو فروعه في الشرق الأوسط وأفريقيا – في مارس 1981م بمدينة البحرين – لدراسة هذه الظاهرة ووضع الأسس اللازمة للتعاون معها. وبدأت بعض المؤسسات الاقتصادية والأكاديمية في ألمانيا وسويسرا ندواته لتقييم فكرة البنوك الإسلامية.

خلاصة هذا الاستعراض التاريخي هو أنه نشأت خلال فترة تقل عن خمس سنوات مجموعة من البنوك والمؤسسات المالية الإسلامية تقدر أصولها بحوالي ثلاثة بلايين دولار وانتشرت في عدة بلدان إسلامية، وتوسعت جغرافيا وتعددت في البلد الواحد. ثم انتشرت عالميا انتشارا سريعا يُعد طفرة كبيرة. واستقطبت عشرات الألوف من المساهمين.. والمودعين والمتعاملين.. وبدأت تستأثر باهتمام عالمي من المؤسسات ذات العلاقة المالية والأكاديمية.

ويخلص القول بناء على ذلك؛ بأن تجربة البنوك والمؤسسات الإسلامية قد غرست جذورا قوية مكنتها من النمو والانتشار. وبهذا تعتبر التجربة قد دخلت مرحلة الثبات.

وقد ساعد وصول التجربة إلى هذه المرحلة في هذا الوقت القصير نجاحها الباهر كمؤسسات اقتصادية في اجتذاب مساهمات وودائع المسلمين.. ثم تقديمها من خلال صيغ إسلامية للتمويل، إلى المستثمرين. والحصول من وراء ذلك على أرباح جيدة للمساهمين والمودعين والمستثمرين.

وقد شجع هذا النجاح الواضح البنوك الإسلامية على ولوج باب الخدمات الاستثمارية الأكثر مخاطرة: مثل الزراعة والتعامل مع صغار الحرفيين، الاستثمار طويل الأجل كمشاريع الإسكان والمشاريع الصناعية الكبرى، رغم أن عمرها لا يتجاوز بضع سنوات ورغم أن أصولها وودائعها لا تكاد تذكر بالمقارنة مع البنوك الربوية التي تملك رصيدا من الخبرة لتطور عبر أربعة قرون وتملك آلاف البلايين من الودائع.

وقد بدأت البنوك الإسلامية والمؤسسات ولوج هذه المجالات بدرجات متفاوتة متأثرة في ذلك بحجم مواردها وبالبيئة التي تعمل فيها. فميا يأتي نورد بعض الأمثلة:

  1. بدأ بنك فيصل الإسلامي السوداني تجارب محدودة في التمويل الزراعي، وبدأ تمويل الحرفيين على مدى زمني متوسط (3 سنوات).
  2. يقوم بنك ناصر الاجتماعي أيضا بتمويل صغار الحرفيين “في حدود قروض تمتد من ثلاث إلى أربع سنوات”.
  3. بدأ بنك فيصل الإسلامي المصري مشاريع إسكان وقد أغراه تطور النشاط العقاري في مصر، كما بدأ يمول الزراعة سريعة العائد مثل الدواجن. وسيبدأ بنك فيصل الإسلامي خلال عام 1983 عددا من مشاريع الإسكان.
  4. طورت الشركة الإسلامية في جنيف – شركة المصرف الدولة (IBS) في ولكسمبرج – بصورة ممتازة – الاستثمار في السيولة سريعة العائد.
  5. دخلت دار المال الإسلامي في مجال تمويل المشاريع الزراعية طويلة الأمد في السودان.
  6. بدأ بنك التنمية الإسلامي بجدة – وهو بنك الحكوميات ويقوم أساسًا بتمويل البنية الإسلامية – تمويل عمليات متوسطة وطويلة المدى – مثل تمويل شراء سفن وعربات سكة حديد وإقامة مدن سكنية في حدود متوسطة امتداد زمني بين أربع إلى سبع سنوات.
  7. يمول بنك ناصر أيضا قروض الطلاب وصغار الموظفين الاستهلاكية في حدود 80 مليون جنيه على نظام القرض الحسن.

أ. عبد الرحيم محمود حمدي

من بحث منشور في المؤتمر الأول لجماعة الفكر والثقافة الإسلامية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *