ضوابط المعاملات الاسلامية

ضوابط القواعد الكلية

القاعدة الفقهية هي الأمر الكلي المنطبق على جميع جزئياته، بمعنى أن يندرج تحت هذا الأمر الكلي مجموعة من الأحكام المتشابهة، التي يمكن إرجاعها إلى أصل واحد.

وقد رصد الفقهاء عددا كبيرا من القواعد الكلية. وفيما يلي بيان أهم تلك القواعد:

-القاعدة الأولى: الأمور بمقاصدها.
-القاعدة الثانية: التيسير ورفع الحرج.
-القاعدة الثالثة: الضرر يزال.
-القاعدة الرابعة: اليقين لا يزول بالشك.
-القاعدة الخامسة: العادة محكمة.
-القاعدة السادسة: الغنم بالغرم.
-القاعدة السابعة: الخراج بالضمان.

أولا: قاعدة الأمور بمقاصدها

تعني أن كل قول أو عمل إنما هو بحسب قصد صاحبه, أي بحسب الغاية الي يريد الوصول إليها من وراء قوله أو عمله، فإذا تكلم أو تحرك، فالعبرة من كلامه أو حركته بما يقصد.

وأصل القاعدة قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل إمرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو إمرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه”.

و المقاصد تميز أعمال الناس وأقوالهم فصاحب النية الحسنة والمقصد الحميد يثاب عليه، وإلا كان معاقبا عليه. فالعقود إذا قُصد من إبرامها قصدا مشروعا كان العقد صحيحا أما إذا كان القصد من إبرامها غير مشروع كان العقد باطلا.

ثانيا: قاعدة التيسير ورفع الحرج

الأصل أن الأحكام الشرعية في مقدور المكلف يقوم بها من غير حرج ومشقة، فإذا شق القيام بالعبادة على النحو المعتاد فإن الله سبحانه وتعالى يُرخص في أدائها بحسب الاستطاعة. وفي هذا رفع للحرج عن العباد، وقد عبر العلماء عن هذه القاعدة بقولهم (التيسر ورفع الحرج). فالمشقة هي الي تخرج عن حدود إستطاعة الفرد، لقوله عز وجل: »لاَ يكَُلفُ اللّهُ نفَْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لهََا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا  مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الذَِّينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لنََا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لنََا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى القَْوْمِ الكَْافِرِينَ».

و قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الدِين يسر ولن يُشاد الدين أحد إلا غلبه فسددوا وقاربوا وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة “، و سددوا أي توسطوا دون إفراط ولا تفريط, وقاربوا أي اقتربوا من السداد والصواب، والغدوة هو الخروج أو النهار، والروحة هو العودة نهايته، والدلجة السير في الليل.

أما أثر القاعدة في التكاليف الشرعية أن الأصل في المعاملات الإباحة.

و يعتبر الاستحسان نوع من الترجيح بين الأدلة، والأخذ بأقواها كحالة من حالات التيسر ورفع الحرج، وفيه نوعين:

  1. الاستحسان بالنص: و يجري فيه كل العقود التي قالوا عنها خلاف القياس كالسلم، والإجارة، والقرض ونحوها. وهي ثابتة بنصوص شرعية رغم معارضتها للقاعدة (عدم صحة بيع المعدوم). وليس الاستحسان ضد القياس بل هو نوع منه لأن القياس على نوعين جلي وخفي, و الاستحسان قياس خفي.
  2. الاستحسان بالإجماع: كما في الاستصناع.

ثالثا: قاعدة الضرر يزال

لقد شرّع الله لعباده الأحكام التي تُصلح أحوالهم في الدنيا والآخرة، وتزيل عنهم كل ما يضرّ به أو يؤذيهم، فإذا وقع على الإنسان ضرر شديد، جاز له على سبيل التخلص من الضرر أن يلجأ إلى الوسيلة الي يتفادي بها الضرر. لذلك حُرّم التعدي على حقوق الغير بالإستعمال أو الإتلاف، إلا إذا توقفت حياة إنسان على أخذ شيء من مال غيره فيعتبر في حالة ضرورة تبيح له الأخذ من مال الغير بالقدر الازم لدفع الهلاك و إزالة الضرر، مع إلتزامه بتعويض صاحب المال عند الميسرة.

وأصل القاعدة قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا ضرر ولا ضرار “، فالشريعة تحرص على إزالة الضرر عن الأفراد والجماعات. والضرر فعل الواحد، أما الضرار ففعل الإثنين، والضرر هو الإبتداء بالفعل، والضرار هو الجزاء عليه(رد الفعل).

يتفرع عن هذه القاعدة قواعد كلية أخرى منها:

• الضرورات تبيح المحظورات: فيجوز للمضطر أن يأكل الميتة، ويمكن رفع العقاب عن المُكره، ويجوز للمعتدى عليه أن يدافع عن نفسه.
• الضرورة تقدر بقدرها: فلا يجوز للمضطر أن يتناول من المحرمات إلا بالقدر الازم لإنقاذ نفسه من الهلاك، كما لا يجوز للمعتدى عليه أن يتجاوز القدر الازم لرد العدوان.
• الضرر لا يزال بالضرر: لأن إزالة الضرر بمثله يعتبر إيقاعا بالضرر على الغير وهو في الأصل غير جائز.

رابعا: قاعدة اليقين لا يزول بالشك

و تعني إبقاء الحكم على ما كان عليه حتى يقوم الدليل على إنتفائه. لأن الحالة القائمة (اليقين) مبنية على دليل، والحالة المطلوب الإنتقال إليها تحتاج إلى دليل أقوى. وأساس قاعدة (اليقن لا يزول بالشك) قوله صلى الله عليه وسلم: “إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى ثلاثا أم أربعا فليطرح الشك و ليبن على ما استيقن ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم فإن كان صلى خمسا شفعن له صلاته وإن كان صلى إتمام لأربع كانتا ترغيما للشيطان “.

ويتفرع عن هذه القاعدة قواعد فرعية منها:

• الأصل بقاء ما كان على ما كان، فمن تيقن الطهارة و شك في الحدث فهو متطهر، والعكس صحيح.
• الأصل براءة الذمة، فمن إدعى أنه دائن لشخص بمبلغ معين، فلا عبرة من الإدعاء المجرد وإنما لابد من الإثبات، فإذا لم يقدم الأدلة المثبتة للدين، فالأصل براءة ذمة المدعى عليه، وكذلك القول بأن المتهم بريء حتى تثبت إدانته.
• الأصل فى الأشياء الإباحة حتى يقوم الدليل على التحريم.

و يتجلى أثر القاعدة في التكاليف الشرعية:

1.سد الذرائع: أن ما كان ذريعة أو وسيلة إلى شيء يأخذ حكمه، فما كان وسيلة إلى الحرام يحرم، وإن كان في أصله حلالا. فعقد البيع حلال مشروع في أصله لمطلق قوله تعالى: «وأحل الله البيع». وتقتضي قاعدة سد الذرائع بطلان البيع إذا قُصد به المحرم، أو كان الدافع إليه غير مشروع، كما في بيع السلاح لمن يقتل مسلما، وبيع العنب لمن يعتصره خمرا.
2.الاحتياط: أي احتراز المكلف عن الوقوع فيما يشك فيه من حرام أو مكروه، كاختلاط الحلال بالحرام في أسواق الناس. وبما أن الأسواق فيها المغصوب، والمسروق، والربوي، مما قلّ وكثر، فلا يمنع التعامل مع أهل الزمان أو البلد ما لم يتوافر ما يدل على أنه حرام، فإن لم يكن في العين علامة تدل على أنه من الحرام، فتركه ورع، وأخذه حلال، ولا يفسق به آكله.

لذلك يتم التعامل مع من اختلط ماله بحرام باليقين الغالب على الشك.

خامسا: قاعدة العادة محكمة

العادة هو ما إعتاده الناس وجرى عليه العرف بينهم في مكان و زمان معين لفعل محدد. وتحكيم العادة لا يكون إلا إذا إنعدم وجود مصدر أقوى منه من ناحية التشريع, بحيث لا يوجد نص من قرآن أو سنة و لا يوجد إجماع، مع تعذر تطبيق قواعد القياس لأن الواقعة جديدة لا نظير لها، عند ذلك يكون العرف أحد المصادر الممكنة للحكم في الواقعة.

ودليل ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: “إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد صلى الله عليه وسلم خير قلوب العباد فاصطفاه لنفسه فابتعثه برسالته ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد فجعلهم وزراء نبيه يقاتلون على دينه فما رأى المسلمون حسنا فهو عند الله حسنا وما رأوه سيئا فهو عند الله سيء”.

و قد اشترط الفقهاء له شروطا منها:

  1. ألا يخالف نصا من الكتاب والسنة أو حكما فيه إجماع.
  2. أن يكون العرف شائعا معتادا وغالبا، أي ليس نادرا.
  3. أن يكون العرف سابقا أو مقارنا لزمن التعاقد.
  4. ألا يكون مخالفا لما اشترطه أحد المتعاقدين عند التعاقد.

و من أمثلة المنكرات التي شاعت ويتصور البعض بأنها صارت عرفا محكما:

– المعاملات الربوية.
– تعاطي المسكرات.
– إنتشار محلات اللهو المخالف لحدود الشرع

وعلى ذلك فإن العرف قسمان:

– عرف فاسد لا يؤخذ به.
– عرف صحيح يؤخذ به، ويعتر الأخذ به أخذا بأصل من أصول الشرع.

سادسا: قاعدة الغُنم بالغرم

يقصد بها أن الحق في الحصول على الكسب (العائد أو الربح) يكون بقدر تحمل التكاليف (المصروفات أو الخسائر أو المخاطر). و بعبارة أخرى فإن الحق في الربح يكون بقدر الإستعداد لتحمل الخسارة.

و تمثل هذه القاعدة الأساس الفكري لكل المعاملات الي تقوم على المشاركات والمعاوضات، حيث لكل طرف حقوق تعادل ما عليه من التزامات. والالتزامات على أنواع هي:

– التزام بمال.
– التزام بعمل.
– التزام بضمان.

وهذه هي الأسباب التي تسبب لصاحبها الحق في الحصول على الربح أو الغنم.

سابعا: قاعدة الخراج بالضمان

يقصد بها أن من ضمن شيئا جاز له أن يحصل على ما تولد عنه من عائد، فبضمان أصل المال، يكون الخراج (أي ما خرج منه). و جاز لمن ضمن شيئا الإنتفاع به، لأنه ملزم بإستكمال النقصان المحتمل الحدوث و جبر الخسارة إن وقعت.

و هذه القاعدة مشتقة من القاعدة السابقة، لأنها قد تدخل تحتها من حيث أن الخراج غنم والضمان غرم، ولها أثر كبر في الأعمال المالية والمصرفية لأنها تؤثر على توزيع نتائج الأعمال.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

الموقع يعتمد على الاعلانات لكي يستمر. المرجو دعمنا من خلال تعطيل مانع الاعلانات و شكرا لتفهمكم