الرئيسية / مقالات و أراء / التمويل الإسلامي والتقليدي: ميز الفرق

التمويل الإسلامي والتقليدي: ميز الفرق

من المفترض في الدول الاسلامية أن تكون المؤسسات المالية الإسلامية هي صاحبة اليد العليا في تقديم الخدمات التمويلية الإسلامية، ليس فقط بسبب العامل الديني وتحريم الربا الذي هو أساس عمل البنوك التقليدية، وإنما لوجود قاعدة عملاء مدركة لمزايا وفوائد التمويل الإسلامي. يشرح محمود العمراوي، مدير التسويق والعلاقات العامة في شركة الجزيرة للتمويل عن خطوات تنفيذ المعاملة لدى البنك الإسلامي والعوامل التي تميّزه عن التمويل التقليدي.

إن التمويل الإسلامي في الأساس هو جزء من الاقتصاد الإسلامي القائم على تنمية المجتمع والمشاركة الفاعلة في القيام بمسؤولياته الاجتماعية. التمويل الإسلامي قائم على مبدأ توفير الحلول التمويلية للعملاء وتقديم التمويل المناسب لحالتهم ووضعهم ولتلبية احتياجاتهم لا لإثقال كاهلهم بالديون وجعلهم يقترضون لإشباع حاجات استهلاكية غير ضرورية.

على الرغم من وضوح خطوات التمويل الإسلامي ومصداقيتها وعدم زجها للعميل في أي خدع بيعية تظهر عواقبها عليه لاحقا، وعلى الرغم من ارتفاع أعداد المؤسسات المالية الإسلامية إلا أنه يوجد عدد من العملاء المحتملين الذين يصرون على أن ليس هناك فرق بين التمويل الإسلامي والاقتراض من البنوك التقليدية، كما يعتبرون أن الإثنين وجهان لعملة واحدة، وأن التمويل الإسلامي ليس إلا مسميات فقط. قد يكون هذا الإعتقاد نتيجة ضعف في معرفة الفوارق بين المؤسسات المالية الاسلامية والمؤسسات التقليدية، وقد يكون أيضا بسبب معلومة دينية غير واضحة جعلت ذلك العميل يصر على أن القرض هو التمويل والربح هو الفائدة.

استنادا إلى المنطق، فإن عدم إدعاء شيء يعني عدم وجوده، فالبنوك التقليدية لم تذكر أن القرض يعني التمويل، ولم تستسخدم إطلاقا كلمة أرباح بل تستخدم كلمة فائدة. هذه الحقيقة تفند إدعاء أنه لا يوجد فارق بين التمويل الإسلامي والتقليدي، وبأن التمويل الإسلامي هو فقط مسميات لإستجداء العملاء عاطفياً ودينيا بهدف جذبهم للتعامل مع المؤسسات المالية الإسلامية.

لغويا، إن كلمة “ربح” تعني وجود عملية تجارية ينتج عنها فائض في سعر البيع عن سعر التكلفة، وهذا هو أحد أوجه التمويل الإسلامي، أما كلمة فائدة فتشير إلى شرط أن يستفيد المُقرض من المقترض ماديا لدى سداد المديونية، فإن اقترضت 1000 ريال عليك أن تعيده – كمقترض – 1100 ريالا والفرق هو الفائدة، ولأن العملية كلّها تبادل أموال كسلعة فسينتج عن أي تأخير في السداد، زيادة في الفائدة.

نحن نلتمس العذر لبعض العملاء الذين يرون أن التمويل الإسلامي مجرد مسميات، على غير الواقع، عندما يقارن العميل بين المؤسسة المالية الإسلامية والبنك التقليدي فالمقارنة تتم عن طريق معرفة القيمة الإجمالية للمديونية (أصل مبلغ التمويل مضافا إليه الربح أو الفائدة)، فيجد العميل أن النتائج متساوية، وهنا يبدأ تضارب الأفكار. أما إذا تعمق العميل في المعاملة ولاحظ خطوات إتمام العملية لدى البنك التقليدي ولدى المؤسسة المالية الإسلامية فسيدرك الفرق بنفسه دون الحاجة إلى متخصص يوضح له ذلك.

علاوة على ذلك، وعلى الرغم من أن خطوات التنفيذ لدى المؤسسات المالية الإسلامية أطول، إلا أنها أقصر من الناحية الزمنية، وتشير أيضا بكل وضوح إلى الفرق بين التمويل الإسلامي والبنوك التقليدية، إذ تقوم العملية التمويلية برمتها على عقد بيع وشراء سلعة أو خدمة معينة يريدها العميل، بالطبع تختلف طبيعة السلعة أو المنتج، وينتج عن ذلك اختلاف عقد التمويل الذي يوقعه العميل، فهناك العديد من صور التمويل الإسلامي وعليه، يختلف العقد بما يضمن مصلحة العميل ومصلحة المؤسسة المالية الإسلامية. أما في حالة البنوك التقليدية فهو عقد واحد فقط، عقد قرض شخصي قد يحتوي على بند ينص على أنه من حق البنك التقليدي تغيير نسبة الفائدة دون إخطار العميل.

تختلف أنواع عمليات التمويل الإسلامي، التي تتضمن كل منها عقدها الخاص: المرابحة، المشاركة، الإستصناع، التأجير مع وعد بالتملك (إجارة). ربما لا يدرك العديد معنى هذه الأنواع، ولكنها كلها تُعتبر شكل من أشكال التمويل الإسلامي، وبمجرد زيارة العميل للمؤسسة المالية الإسلامية وشرح السبب وراء طلب التمويل، سيقوم الموظف المعني على الفور بطرح الصورة المناسبة للتمويل وشرح كل شيء بشفافية عالية وإتمام العملية بالعقد المناسب دون إدخال العميل بأية إلتزامات مستقبلية قد لا تُحمد عقباها.

يمكننا أن نلاحظ مما سبق أن العلاقة بين العميل لدى المؤسسة المالية الإسلامية هي علاقة بيع وشراء محكومة بعقد محدد المدة والقيمة. ولكن ماذا يعني ذلك للعميل؟

هذا يعني بكل بساطة أن المؤسسة المالية الإسلامية لا تستطيع بأي حال من الأحوال تغيير معدل الأرباح ومطالبتك بسداد أية مبالغ تزيد عن تلك المنصوص عليها في العقد. أما في حالة البنوك التقليدية فقد يتم تغيير نسبة الفائدة مما يعني زيادة في المبلغ الذي سيسدده العميل للبنك التقليدي.

إذا كان لا يوجد فرق بين التمويل الإسلامي والبنوك التقليدية فلماذا تسارع البنوك التجارية المختلفة في افتتاح نوافذ إسلامية لها؟ الأمر لا يتعلق فقط بتوسيع شريحة العملاء من خلال الحصول على راغبي التمويل الإسلامي، بل لأنه الأفضل والأكثر استقرارا وحفاظا على أموال البنوك والمساهمين ويشارك بفاعلية في دورة رأس المال بالمجتمع وزيادة الرخاء والرفاهية.

لقد أظهرت الأزمة المالية في عام 2008 هشاشة النظام المالي التقليدي، خاصة وأن المؤسسات المالية الإسلامية إستطاعت النجاة من تلك الأزمة وكان تأثرها بها طفيفاً جدا، إذ ظهر في تدني قيمة الضمانات العقارية والتي سُرعان ما إستعادت عافيتها بعد ذلك. وقد أدركت معظم الدول الأوروبية وأميركا واليابان هذه الحقيقة. ففي اليابان إنضم البنك المركزي الياباني في سبتمبر 2008 إلى مجلس الخدمات التمويلية الإسلامية وهي الهيئة التي تضع المعايير للتمويل الإسلامي لكي يزيد من معرفته بأسس التمويل الإسلامي وكيفية تطبيقه.

كما وتوجد في معظم الدول الأوروبية حاليا مؤسسات مالية اسلامية، وقد أصبحت لندن في المركز الخامس عالميا بالنسبة للتعامل بالنظام المصرفي الإسلامي (وفقا لدراسة نشرتها جريدة الشرق القطرية)، وتقوم الحكومة البريطانية بإجراء العديد من الاصلاحات القانونية لجذب الإستثمارات الإسلامية ومنها إصدار تراخيص عمل المؤسسات المالية الإسلامية، بل وتهدف بريطانيا أن تكون مركزا عالميا للتمويل الإسلامي. وبعد الأزمة المالية، أدركت هذه الدول العريقة في الرأسمالية، أن هناك خللا في نظامها المالي وأن الحل يكمن في النظام المالي والمصرفي الإسلامي والذي هو جزء من النظام الاقتصادي الاسلامي الشامل.

تحدثنا في مقال سابق أسباب اختيار التمويل الإسلامي وأوضحنا أن العميل – سواء كان مسلم أو غير مسلم- فيتم الترحيب به في المؤسسات المالية الإسلامية لأنها الإختيار الأفضل من كافة الجوانب، وكل المراحل سواء قبل إتمام عملية التمويل أو خلال فترة السداد. ويمكن تلخيص تلك المزايا بالتالي: الشفافية والوضوح، إذ يعرف العميل بالتفصيل القيمة الإجمالية للعملية التمويلية دون إخفاء لشروط أو تقديم وعود غير واقعية.  لا يمكن بأي حال زيادة قيمة التمويل شاملا الأرباح عن تلك الموجودة في عقد البيع والشراء المبرم مع العميل، بعض المؤسسات المالية تقوم بفرض غرامة رمزية على العميل في حالة عدم سداد قسط معين، تلك الغرامة لا تدخل في أرباح المؤسسة المالية بل يتم التبرع بها للجهات الخيرية، والهدف من الغرامة هو تشجيع العميل على الإستمرار في السداد. أما في حالة البنوك التقليدية، يتم تغريم العميل مبلغ مرتفع، ويتم تأجيل ذلك القسط الى نهاية فترة القرض ليتم احتساب فوائد جديدة عليه مما يعني زيادة في القيمة الأصلية للقرض الذي تعاقد عليه العميل.بحال واجه العميل ظروفا شخصية معيّنة، يمكنه التحدث الى المؤسسة المالية الإسلامية والتي غالبا ما توافق على تأجيل قسط معين دون إضافة أية أرباح أو غرامات على العميل.

إلى ذلك، نجد أن التمويل الإسلامي يختلف شكلا وموضوعا عن النظام المالي التقليدي. قد تتشابه النتيجة في الحصول على التمويل، لكن الممارسة والمعالجة تختلف تماما وهذا ما ينتج عنه تحقيق فائدة للعميل. لا يصح القول إن التمويل الإسلامي ليس إلا مسميّات وأنه يعمل بنفس طريقة البنوك التقليدية، بحيث تأكد ذلك من اتجاه الدول الأوروبية الراسخة في النظام الرأسمالي إلى اعتماد التمويل الإسلامي كبديل للنظام التقليدي. فكلمة بديل في ذاتها تُشير إلى اختلاف الإثنين وتميّز البديل عن المتواجد وأنه يتمتع بحلول لمعظم المشاكل المالية التي واجهتها الدول الأوروبية جراء التمادي في النظام المالي القائم على الفوائد المتراكمة عالية المخاطر.

محمود العمراوي خبير فى التمويل الإسلامي.

القطاع الخاص.

إقرأ أيضا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إشترك في قائمتنا البريدية

إشترك في قائمتنا البريدية

إنضم الى قائمتنا البريدية ليصلك أسبوعيا آخر أخبارالبنوك الإسلامية و اللإقتصاد الإسلامي

شكرا, لقد تمت عملية الاشتراك بنجاح,